محمد سعيد رمضان البوطي
179
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
تخاذل أمثال عبد اللّه بن أبي بن سلول مع ثلاث مئة من أصحابه ، تحت وطأة الخوف من عواقب القتال ، والرغبة في الجنوح إلى السلامة والأمن . وعن تخاذل أولئك الآخرين الذين استعذبوا ظل المدينة وثمارها ومياهها وسط حرارة الصيف ، وأعرضوا عن نداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالخروج والقتال ، قائلين : « لا تنفروا في الحر » . بل وعن هزيمة المشركين في غزوة بدر ، على الرغم من ضخامة عددهم وقلة المسلمين ، ووقوع الرعب في أفئدتهم ، وهم هم العرب الذين نشؤوا في ظلال الحروب ورضعوا ألبانها واستهانوا بصعابها . من الصعوبة البالغة للمنصف أن يتهرب عما تحكم به البداهة الواضحة ، من أن سرّ هذا الإقدام على الموت من مثل هؤلاء الأطفال ، إنما هو الإيمان العظيم الذي استحوذ على القلب ، والذي ترتبت عليه محبّة عارمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فحيثما وجد الإيمان ووجدت هذه المحبة ، ظهر هذا الإقدام والاستبسال ، وحيثما ضعف الإيمان ، وضعفت المحبة في القلب انقلب الإقدام إحجاما والاستبسال كسلا وتقاعسا . خامسا : إذا تأملت حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو ينظم صفوف أصحابه ويرتب أجنحتهم ، ويضع الحامية اللازمة في مؤخرة المسلمين ، ويأمر الرماة أن لا يغادروا أماكنهم مهما وجدوا من أمر إخوانهم المقاتلين حتى يتلقوا الأوامر منه صلّى اللّه عليه وسلم ، نقول : إذا تأملت ذلك اتضحت حقيقة بارزة ، ولاحت لك من ورائها ظاهرة هامة أخرى . أما الحقيقة البارزة ، فهي البراعة العسكرية التي كانت تتصف بها قيادته صلّى اللّه عليه وسلم في الحروب ، فقد كان في مقدمة المخططين لفنون القتال وطرائقه ، ولا ريب أن اللّه تعالى قد جهزه بعبقرية نادرة في هذا المجال . ولكننا نقول : إن هذه العبقرية والبراعة إنما يأتي كل منهما من وراء نبوته ورسالته السماوية ، فمركز النبوة والرسالة هو الذي اقتضاه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكون عبقريا بارعا في فنون الحرب وغيرها ، كما اقتضاه أن يكون معصوما بعيدا عن كل انحراف وزلل . وقد شرحنا هذا في القسم الأول من هذا الكتاب فلا حاجة إلى تكراره . وأما الظاهرة التي تلوح للمتأمل من خلال توصياته الدقيقة هذه لأصحابه عامة ، وللرماة خاصة فهي ظاهرة ذات علاقة وثيقة بما قد تم بعد ذلك من خروج بعض أولئك الرماة على أوامره صلّى اللّه عليه وسلم . فكأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد استشف بفراسة النبوة أو بوحي من اللّه تعالى هذا الذي قد حدث فيما بعد ، فراح يؤكد التوصيات والأوامر ، وكأنه في ذلك يجري مع أصحابه مناورة حية مع عدوّ لهم هو النفس وأهواؤها وما تنطوي عليه من طمع في المال والغنائم ، والمناورة مهما كانت نتيجتها ، تفيد فائدة عظيمة . . وربما كانت النتيجة السلبية أدعى للاستفادة من النتيجة الإيجابية . سادسا : أبو دجانة ، الذي تناول السيف من يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحقه ، أخذه وراح يتبختر